أحمد بن علي القلقشندي

353

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وعلى آله وصحبه صلاة لا يزال بها الرّوض الأرج يفوه ، والسّحر يبلَّغها ولو سكت وختم بالبرق فوه ، وسلَّم تسليما . وبعد ، فإن أزهى زهر طاب مجتنوه ، وطال باعا في الفخار مجتبوه ، زهر كمامة جرت عنها لأمة كميّ ، وأبرزتها سنّة الإسلام من حجاب ذي أنف حميّ ، وطلعت من أفق بدريّ طالما سنح مجتلوه ، وحمى سيف أمن في كلئه بكلاءته مختلوه . وكان الجناب الجماليّ عبد اللَّه ابن المرحوم سيف الدّين أبي سعيد أمير حاجب ، أدام اللَّه تعالى علاه ، ورحم أباه ، هو ولد ذلك الوالد ، وطارف ذلك التالد ، ونشو هذه الدولة الشريفة الكاملية التي أخذ منها حظَّه بالتمام والكمال ، وأصبحت به كالغادة الحسناء ذات الحسن والجمال ، ولم يمت أبوه في أيّام سلطانها - خلَّد اللَّه ملكه - حتّى قرّت به عينه ، وساواه في الإمرة لولا تفاوت العدّة وقدم المدّة بينه وبينه ، وجاء منه ولد نجيب ، وابن شاع وذاع سرّ أبيه وحمد وهذا عجيب ! ! ! . ولما انتقل والده رحمه اللَّه تعالى إلى رحمة ربّه ، وشرب بالكأس الذي لا بدّ لكلّ حيّ من شربه - تطلَّب مثل ذلك الأب ولم يزل يجدّ حتّى وجد ، وظفر بوالد إن لم يكن ولده حقيقة فإنه عنده مثل الولد ، وهو المقرّ بيدمر ، وهو الوالد الذي لم يفقد معه من والده ذرّة ، والأب الذي هو أرأف من كلّ أمّ برّة ، والنّيّر البدريّ الذي سعد قرانا ، وصعد وداس بقدمه أقرانا ، وقسّم دهره شطرين : نهاره للضّيوف قرى وليله للَّه قرآنا . هذا إلى أنه طالما طيّب لزكاة أمواله وثمّرها ، وزيّن في أعماله بمدرسة عمّرها ، وقيّد شوارد حسناته وثقّفها ، مع أنه شيّد الممالك وسدّد أمورها ، وسدّ ثغورها ، وحمى ببيض سيوفه السّواد الأعظم ، ورمى بصوائب سهامه